فخر الدين الرازي
313
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الحجارة قال اللّه تعالى : وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [ الحجر : 74 ] وقال تعالى عن الملائكة : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ [ الذاريات : 33 ] فالمرسل عليهم ليس بحاصب فكيف الجواب عنه ؟ نقول : الجواب من وجوه الأول : أرسلنا عليهم ريحا حاصبا بالحجارة التي هي الحصباء وكثر استعمال الحاصب في الريح الشديدة فأقام الصفة مقام الموصوف ، فإن قيل : هذا ضعيف من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأن الريح مؤنثة قال تعالى : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ [ الحاقة : 6 ] ، بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [ يونس : 22 ] وقال تعالى : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ [ ص : 36 ] وقال تعالى : غُدُوُّها شَهْرٌ [ سبأ : 12 ] وقال تعالى في : [ وَأَرْسَلْنَا ] الرِّياحَ لَواقِحَ [ الحجر : 22 ] وما قال لقاحا ولا لقحة ، وأما المعنى فلأن اللّه تعالى بين أنه أرسل عليهم حجارة من سجيل مسومة عليها علامة كل واحد وهي لا تسمى حصباء ، وكان ذلك بأيدي الملائكة لا بالريح ، نقول : تأنيث الريح ليس حقيقة ولها أصناف الغالب فيها التذكير كالإعصار ، قال تعالى : فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ [ البقرة : 266 ] فلما كان حاصب حجارة كان كالذي فيه نار ، وأما قوله : كان الرمي بالسجيل لا بالحصباء ، وبأيدي الملائكة لا بالريح ، فنقول : كل ريح يرمي بحجارة يسمى حاصبا ، وكيف لا والسحاب الذي يأتي بالبرد يسمى حاصبا تشبيها للبرد بالحصباء ، فكيف لا يقال في السجيل . وأما الملائكة فإنهم حركوا الريح وهي حصبت الحجارة عليهم الجواب الثاني : المراد عذاب حاصب وهذا أقرب لتناوله الملك والحساب والريح وكل ما يفرض الجواب الثالث : قوله : حاصِباً هو أقرب من الكل لأن قوله : إِنَّا أَرْسَلْنا يدل على مرسل هو مرسل الحجارة وحاصبها ، فإن قيل : كان ينبغي أن يقول حاصبين ، نقول لما لم يذكر الموصوف رجح جانب اللفظ كأنه قال شيئا حاصبا إذ المقصود بيان جنس العذاب لا بيان من على يده العذاب ، وهذا وارد على من قال : الريح مؤنث لأن ترك التأنيث هناك كترك علامة الجمع هنا . المسألة الثانية : ما رتب الإرسال على التكذيب بالفاء فلم يقل : كذبت قوم لوط بالنذر فأرسلنا كما قال : فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ [ القمر : 11 ] لأن الحكاية مسوقة على مساق ما تقدم من الحكايات ، فكأنه قال : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * [ القمر : 30 ] كما قال من قبل ثم قيل : لا علم لنا به وإنما أنت العليم فأخبرنا ، فقال : إِنَّا أَرْسَلْنا . المسألة الثالثة : ما الحكمة في ترك العذاب حيث لم يقل : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي * كما قال في الحكايات الثلاث ، نقول : لأن التكرار ثلاث مرات بالغ ، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « ألا هل بلغت ثلاثا » و قال : « فنكاحها باطل باطل باطل » والإذكار تكرر ثلاث مرات فبثلاث مرار حصل التأكيد وقد بينا أنه تعالى ذكر : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي * في حكاية نوح للتعظيم وفي حكاية ثمود للبيان وفي حكاية عاد أعادها مرتين للتعظيم والبيان جميعا واعلم أنه تعالى ذكر : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي * في ثلاث حكايات أربع مرات فالمرة الواحدة للإنذار ، والمرات الثلاث للإذكار ، لأن المقصود حصل بالمرة الواحدة ، وقوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * [ الرحمن : 13 ] ذكره مرة للبيان وأعادها ثلاثين مرة غير المرة الأولى كما أعاد : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * ثلاث مرات غير المرة / الأولى فكان ذكر الآلاء عشرة أمثال ذكر العذاب إشارة إلى الرحمة التي قال في بيانها مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [ الأنعام : 160 ] وسنبين ذلك في سورة : الرحمن . المسألة الرابعة : إِلَّا آلَ لُوطٍ استثناء مما ذا ؟ إن كان من الذين قال فيهم : إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً